فخر الدين الرازي
260
المطالب العالية من العلم الإلهي
من ذلك الغير أن لا يحدثها عند حصول إرادتنا ، وأن يحدثها عند حصول كراهتنا . وذلك يبطل ما بيناه في المقدمة الأولى من وجوب مطابقة أفعالنا لدواعينا نفيا وإثباتا . الحجة الثانية : الأنبياء عليهم السلام أجمعوا على أن اللّه أمر عباده ببعض الأشياء ، ونهاهم عن بعضها . ولو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لما صح ذلك . فكيف يعقل أن يقول اللّه للعبد : افعل الإيمان والصلوات والعبادات ، ولا تفعل الكفر والمعاصي . مع أن الفاعل لهذه الأفعال ، والتارك لها ليس هو العبد ؟ فإن أمر « 1 » الغير بالفعل يتضمن الإخبار عن كون ذلك المأمور قادرا على الفعل ، حتى إنه لو لم يكن المأمور قادرا عليه لمرض أو لسبب آخر ، ثم أمره غيره به . فإن العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحماقة والجنون . ويقولون : إنك تعلم أنه لا يقدر على ذلك الفعل ، فكيف تأمره به ؟ ولو صح هذا لصح أن يبعث اللّه رسولا إلى الجمادات مع المعجزات ، والكتب والشرائع . لأجل أن يبلغ ذلك الرسول تلك الشرائع إلى تلك الجمادات . ثم إنه تعالى يخلق الحياة والعقل لتلك الجمادات ، ويعاقبها ، لأجل أنهم لم يمتثلوا أمر الرسول ، حال كونها جمادات . وذلك مما يعلم فساده ببديهة العقل . واعلم : أنا قد حكينا لهم استدلالهم بما تقرر من هذا الوجه ، على أن علم العبد بكونه موجدا لأفعال نفسه : علم ضروري . وذلك الوجه مغاير لهذا الوجه . لأنا في ذلك الوجه استدللنا بحصول العلم الضروري ، وبحسن المدح والذم على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا . والآن نستدل بحسن المدح والذم على كون العبد موجدا . فظهر الفرق . ولا يقال : لم لا يجوز أن يقال : العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، إلا أنه مكتسب لها ويكفي « 2 » هذا القدر في حسن المدح والذم ؟ لأنا نقول : دخول فعل العبد في الوجود ، إما أن يكون من العبد ، وإما أن لا يكون منه
--> ( 1 ) من ( م ) . ( 2 ) ففي [ الأصل ] .